مع استعداد إسرائيل لإحياء الذكرى الثالثة لهجمات 7 أكتوبر، واقتراب موعد الانتخابات البرلمانية بأقل من شهر، يهيمن سؤال واحد على المشهد الانتخابي، بحسب الكاتب والطبيب المتخصص في علم النفس وعلم الأعصاب والكاتب والمصور يوآف ليتفين: هل كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعلم مسبقًا بالهجمات؟ وأعادت تقارير إعلامية تحدثت عن تحذير وجهته الإمارات إلى نتنياهو قبل الهجمات، مسؤولية رئيس الوزراء المزعومة إلى صدارة النقاش.
وتنشر الجزيرة، حيث يرى ليتفين أن التركيز على إخفاقات نتنياهو يسمح للمجتمع الإسرائيلي بتجنب مواجهة ما ارتكبته إسرائيل في غزة. ويجادل الكاتب بأن الانتخابات لا تفتح الباب أمام مراجعة شاملة لأحداث 7 أكتوبر وما أعقبها، بل تحوّل نتنياهو إلى كبش فداء بسبب دوره المزعوم في تيسير هجوم حماس، بينما تعفي المجتمع الإسرائيلي والحركة الصهيونية من مسؤولية جماعية عن أعمال العنف التي سبقته والعدوان الذي تلاه.
لماذا يتركز النقاش على نتنياهو؟
يتساءل ليتفين عن سبب غياب عدد من القضايا الجوهرية عن النقاش الانتخابي الإسرائيلي. فلا يطالب الخطاب السياسي بإجراء تحقيق في ما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد فعّل «توجيه هانيبال» خلال استجابته لهجمات 7 أكتوبر، ولا يبحث في عدد المواطنين الإسرائيليين الذين ربما قتلوا نتيجة تطبيقه.
كما لا يخضع الأداء العسكري الإسرائيلي اللاحق لتدقيق كافٍ، ولا يناقش السياسيون ما إذا كانت العمليات العسكرية قد عرّضت الأسرى الإسرائيليين للخطر أو عدد من قتلوا منهم جراء القصف الإسرائيلي.
ولا يثير النقاش السياسي كذلك مسألة استهداف المفاوضين الفلسطينيين الرئيسيين خلال مفاوضات وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى، ومن بينهم إسماعيل هنية، كبير مفاوضي حماس، الذي اغتيل في طهران في يوليو 2024، وأعضاء وفد حماس المفاوض الذين استُهدفوا في الدوحة في سبتمبر 2025.
كما لا يحظى برفض الحكومة الإسرائيلية المتكرر لمقترحات وقف إطلاق النار التي كان يمكن أن تفضي إلى إعادة الأسرى في وقت أبكر، بالقدر الكافي من النقاش.
ولا يحتل كذلك أمرَا الاعتقال اللذان أصدرتهما المحكمة الجنائية الدولية بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية جرائم ضد الإنسانية، موقعًا بارزًا في الخطاب الانتخابي.
فلماذا غابت كل هذه القضايا؟
يرى الكاتب أن الإجابة تكمن في الحالة النفسية للمجتمع الإسرائيلي. فقد أحدث 7 أكتوبر، بالنسبة إلى كثير من الإسرائيليين، معضلة نفسية عميقة جعلت التوفيق بين صورتهم عن أنفسهم بوصفهم بشرًا وبين مشاركتهم في الواقع الإجرامي الذي تلاه أمرًا بالغ الصعوبة.
وبالتالي، لا تكمن المشكلة، وفق ليتفين، في أن الإسرائيليين ينكرون الواقع أو يفتقرون إلى المعلومات، وإنما في أن قطاعًا كبيرًا من المجتمع متورط في أفعال إجرامية ويتجنب بصورة نشطة مواجهتها ومراجعة مسؤوليته عنها.
غزة والفلسطينيون خارج الخطاب الانتخابي
يربط الكاتب غياب غزة والفلسطينيين بصورة أوسع عن الخطاب السياسي الإسرائيلي بما يصفه بالتجريد الكامل للفلسطينيين من إنسانيتهم داخل المجتمع الإسرائيلي.
ويتساءل: كيف يمكن تفسير غياب الأسئلة المتعلقة بالأفعال المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، والمساءلة عنها لاحقًا، من الخطاب الانتخابي؟
ويطرح ليتفين تساؤلات حول مقتل ما لا يقل عن 74 ألف فلسطيني على يد الجيش الإسرائيلي، غالبيتهم من المدنيين، وحول الاعتقالات الجماعية والعشوائية والتعذيب والإخفاء القسري للفلسطينيين.
كما يتساءل عن استهداف الصحفيين والعاملين في المجال الطبي والأكاديميين، وتدمير المستشفيات واحتلالها، ومحو معالم تاريخية ومواقع للتراث الثقافي لا يمكن تعويضها.
ويطرح أيضًا تساؤلًا بشأن السماح بما يصفه بالاحتفال السادي، الذي اتخذ أحيانًا طابعًا جنسيًا منحرفًا، بالدمار والإخضاع والتطهير العرقي والموت على يد جنود إسرائيليين.
ولا يتوقف الأمر عند غزة، بحسب الكاتب، إذ لا يحظى كذلك القصف الإسرائيلي للبنان وغزوه، والذي أسفر عن مقتل نحو 9 آلاف شخص منذ أكتوبر 2023، بالقدر الكافي من النقاش، كما لا تخضع العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا واليمن لتدقيق مماثل.
ويرى ليتفين أن هذه الانتهاكات لا تشكل وقائع منفصلة، وإنما أعراضًا لنظام قائم على السرقة والهيمنة، تدفعه الرغبة في السيطرة وتدعمه عمليات تكييف نفسي والفصل والخوف والحوافز المرتبطة بالعدوان.
ويستند الكاتب في ذلك إلى ما يسميه نموذج «مُهيَّأون للسرقة» (Wired to Steal)، الذي يرى أن تجريد الآخر من إنسانيته يساعد على خلق قبول بالعدوان، بينما يؤدي تصعيد العنف بعد أعمال المقاومة إلى تطبيع المزيد من التوسع والاستيلاء.
وبناءً على ذلك، لا يرى الكاتب أن الانتخابات الحالية تدور حول مواجهة حقيقية مع أحداث 7 أكتوبر أو تداعياتها المروعة، وإنما يعتبرها نافذة تكشف مجتمعًا استيطانيًا ذا نزعة فاشية، يمارس الإنكار وتجريد السكان الأصليين من إنسانيتهم بوصفهم «آخر» من أجل التهرب من أفعاله المستمرة وتطبيعها.
وقد يتحول نتنياهو إلى كبش فداء، لكن استبداله، بحسب ليتفين، لن يعالج الآلية الأساسية للهيمنة، بل قد يسهم في ترسيخها بصورة أكبر.
7 أكتوبر بين المساءلة واستمرار منظومة الهيمنة
يقول الكاتب إن تلك الآلية لا تزال راسخة، وإن الاستمرارية بين العنف الذي انطلق منذ 7 أكتوبر والتاريخ الأطول للتوسع الاستعماري الصهيوني تبدو لافتة. ولا يرى ليتفين أن هذه التجربة أفرزت دروسًا حقيقية سوى كيفية تحسين آليات الإبادة الجماعية وتسريعها.
ويشير إلى استمرار توظيف الخوف والشعور بالضحية وصناعة صورة «نحن» المحاصرة بصورة دائمة في مواجهة «هم» منزوعي الإنسانية، بما يخلق قبولًا بالمزيد من العدوان والتوسع.
ومن ثم، يرى ليتفين أن 7 أكتوبر لم يعد مناسبة لمراجعة حقيقية، وإنما تحول إلى وسيلة أخرى للتهرب منها. ويسعى نتنياهو إلى تركيز المسؤولية عن الهجمات حول سؤالين: ماذا كان يعلم؟ ومتى علم؟ بينما يبقى السجل الأوسع لما فعلته إسرائيل منذ ذلك الحين خارج النقاش الانتخابي إلى حد كبير.
وفي المقابل، يرى الكاتب أن خصوم نتنياهو يواجهون هم أيضًا أسئلة بشأن مسؤوليتهم وطموحاتهم، ولذلك لا تبدو هناك مصلحة سياسية كبيرة في إجراء مراجعة حقيقية لأحداث 7 أكتوبر.
ويخلص ليتفين إلى أن التركيز المفرط على نتنياهو يتيح للمؤسسة السياسية الإسرائيلية الأوسع وللمجتمع الإسرائيلي تجنب مواجهة منظومة الهيمنة التي لا يزالان مستثمرين فيها.
https://www.aljazeera.com/opinions/2026/10/4/did-he-know-why-israel-is-rejecting-an-october-7-reckoning

